بقلم د. نضال العنداري
في سيرة القادة، ثمة شخصيات لا تكفي المناصب لفهمها، لأن تكوينها الحقيقي تشكل في مسافة أعمق من السياسة، حيث تتداخل التربية والتاريخ والوطن والإنسان. ومن هذا المنظور يمكن قراءة سيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وحاكم إمارة أبوظبي، الذي لم تبدأ علاقته بالدولة يوم أصبح رئيساً لها، بل نشأت منذ طفولته في مدينة العين، وفي بيت الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات. وُلد الشيخ محمد بن زايد في 11 مارس 1961، وكان في العاشرة من عمره عند قيام الاتحاد عام 1971، فنشأ شاهداً على ولادة الدولة وتطورها، من مجتمع الصحراء إلى دولة حديثة ذات حضور عالمي. ولذلك فإن علاقته بالإمارات ليست علاقة حاكم بدولة فحسب، وإنما علاقة جيل كامل نشأ مع الاتحاد، وتعلم أن بناء الوطن مشروع طويل من المسؤولية والوفاء والعمل.
ومن مدرسة الشيخ زايد، تلقى محمد بن زايد درساً يتجاوز مفهوم الحكم إلى معنى الأمانة؛ فالدولة، في هذه المدرسة، لا تُبنى من أجل السلطة، وإنما من أجل الإنسان، ولا تقاس قوتها بما تملكه فقط، بل بما تمنحه لأبنائها من أمن وتعليم وفرص وكرامة. ومن هنا يمكن فهم كثير من المرتكزات التي ظهرت لاحقاً في رؤيته، من الاستثمار في الإنسان والتعليم، إلى دعم الشباب والابتكار والتنمية والاستدامة. فالإنسان في فلسفة الدولة الإماراتية ليس رقماً في معادلة التنمية، بل هو الغاية التي من أجلها تُبنى المؤسسات وتُستثمر الموارد. وقد نهل الشيخ محمد بن زايد من هذه المدرسة منذ حداثة سنه، قبل أن ينتقل إلى مواقع المسؤولية العسكرية والتنفيذية والاقتصادية، ليصبح مع مرور السنوات واحداً من أبرز صانعي التحول الإماراتي.
كانت المؤسسة العسكرية إحدى أهم المدارس التي صقلت شخصيته. ففي عام 1979 تخرج من أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في المملكة المتحدة، ثم عاد إلى الإمارات ليواصل مسيرته في القوات المسلحة، متدرجاً في مواقع المسؤولية حتى أصبح نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة عام 2005. غير أن البعد العسكري في شخصيته لا يمكن اختزاله في القوة وحدها؛ فالانضباط العسكري يمنح صاحبه قدرة على تقدير المخاطر، وقراءة التفاصيل، واتخاذ القرار، وتحمل تبعاته. ومع انتقاله إلى مواقع المسؤولية الاقتصادية والتنفيذية، اتسعت رؤيته لتشمل الأمن والاقتصاد والتعليم والتنمية في منظومة واحدة، فأصبح ينظر إلى قوة الدولة باعتبارها توازناً بين الأمن والاستقرار، وبين الاقتصاد والمعرفة، وبين القدرة على حماية الحاضر والاستعداد للمستقبل.
وقد ساهمت سنوات العمل التنفيذي والاقتصادي في أبوظبي في تشكيل جانب أساسي من رؤيته. فقد تولى عدداً من المسؤوليات الكبرى، من رئاسة مكتب برنامج التوازن الاقتصادي إلى رئاسة مبادلة، ثم أصبح ولياً لعهد أبوظبي ورئيساً للمجلس التنفيذي، ونائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة. وهذه التجربة المتعددة جعلته قريباً من تفاصيل الدولة لا من موقع سياسي واحد؛ فالقرار الاقتصادي بالنسبة إليه يرتبط بالأمن، والتنمية ترتبط بالتعليم، والتعليم يرتبط بالقدرة على المنافسة، والاستقرار يشكل البيئة التي تسمح لكل ذلك بالنمو. ومن هنا تبدو رؤيته أقرب إلى مشروع متكامل لبناء دولة قادرة على الاستمرار، لا إلى مجموعة من السياسات المنفصلة.
وإذا كانت هناك كلمة تختصر جانباً مركزياً من رؤيته، فهي المستقبل. فالشيخ محمد بن زايد ينتمي إلى جيل شاهد كيف تحولت الإمارات خلال عقود قليلة من دولة ناشئة إلى دولة ذات تأثير عالمي، ولذلك فإن المستقبل بالنسبة إليه ليس زمناً بعيداً، بل مسؤولية تبدأ من قرارات الحاضر. ومن هذا المنطلق برز اهتمامه بالتعليم والبحث العلمي والابتكار وتمكين الشباب، إلى جانب تنويع الاقتصاد والاستدامة. فالدولة التي تريد أن تبقى في المقدمة لا تستطيع أن تعيش على إنجازات الماضي، مهما كانت عظيمة؛ لأن كل جيل يرث ما بناه السابقون، لكنه يرث معه مسؤولية تطويره وتسليمه إلى من يأتي بعده بصورة أقوى.
وفي قلب هذه الرؤية يقف الإنسان. فالتعليم لا يعني بناء المدارس فقط، وإنما بناء عقل قادر على فهم العالم، والبحث العلمي لا يعني إنشاء المختبرات فقط، وإنما تحويل المجتمع من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، وتمكين الشباب لا يعني منحهم دوراً شكلياً، بل إعدادهم ليكونوا شركاء في صناعة المستقبل. ولهذا ارتبط الشيخ محمد بن زايد بملفات التعليم والشباب والبحث العلمي، لأن الاستثمار الحقيقي، في نهاية المطاف، هو الاستثمار في القدرة البشرية التي تستطيع أن تحول الموارد إلى معرفة، والمعرفة إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى رفاه واستقرار وفرص جديدة.
أما أبوظبي، فكانت المساحة التي اختبرت فيها هذه الرؤية على الأرض. فقد شهدت خلال العقود الماضية تحولاً اقتصادياً وعمرانياً ومؤسسياً واسعاً، وانتقلت إلى نموذج أكثر تنوعاً واتصالاً بالاقتصاد العالمي، مع الحفاظ على حضور واضح للهوية والتراث. وهذه المعادلة تكشف جانباً مهماً من فلسفة الشيخ محمد بن زايد: الحداثة لا تعني التخلي عن الجذور، والانفتاح على العالم لا يعني فقدان الهوية. فالدولة تستطيع أن تكون حديثة وعالمية، وفي الوقت نفسه متمسكة بذاكرتها وقيمها وثقافتها. وربما لهذا تبدو الهوية في التجربة الإماراتية جزءاً من المستقبل، لا عودة إلى الماضي.
وفي شخصيته جانب إنساني وثقافي لا يقل أهمية عن الجانب السياسي والعسكري؛ فقد ارتبط بالصقارة والشعر النبطي والتراث الإماراتي، وهي عناصر تعكس صلته بالمجتمع الذي نشأ فيه. فالهوية، في عالم سريع التحول، ليست مجرد رموز، وإنما ذاكرة وقيم وطريقة في النظر إلى الحياة. وكلما اتسعت علاقة الإنسان بالعالم، ازدادت حاجته إلى جذور يعرف من خلالها من هو. ولذلك فإن الحفاظ على التراث يمكن أن يكون شكلاً من أشكال حماية المستقبل، لأن الحداثة التي بلا جذور قد تتحول إلى مجرد تقليد، بينما الحداثة التي تنطلق من الهوية تستطيع أن تصنع نموذجها الخاص.
وعلى المستوى الدولي، ارتبطت رؤيته بفكرة أن قوة الدولة لا تعني الانعزال، بل القدرة على بناء علاقات متوازنة مع العالم. فالإمارات، بحكم موقعها ودورها الاقتصادي والسياسي، أصبحت لاعباً حاضراً في قضايا الأمن والاستقرار والتعايش والعمل الإنساني. وفي هذا الجانب يظهر معنى آخر للقيادة: أن القوة لا تكون ذات قيمة إذا لم تُستخدم لحماية الاستقرار وخدمة الإنسان. فالإنسانية ليست دائماً خطاباً عاطفياً؛ قد تكون مدرسة، أو مستشفى، أو مبادرة صحية، أو موقفاً سياسياً، أو دعماً لشعب يحتاج إلى المساعدة. وقيمة أي رؤية إنسانية تظهر عندما تتحول من الكلمات إلى فعل.
وحين تولى الشيخ محمد بن زايد رئاسة دولة الإمارات في 14 مايو 2022، كان يتسلم قيادة دولة تجاوزت مرحلة التأسيس وأصبحت أمام تحديات أكثر تعقيداً: اقتصاد عالمي متغير، وتكنولوجيا تعيد تشكيل الحياة، وتحولات في الطاقة والسياسة والأمن، ومنافسة دولية على المعرفة والاستثمار والمواهب. ولذلك لم تعد المهمة مجرد الحفاظ على ما تحقق، بل تطوير القدرة على الاستمرار في النجاح. وهنا تتضح أهمية خبرته الطويلة؛ فالرجل الذي عاش مرحلة بناء الدولة أصبح مسؤولاً عن قيادة دولة وصلت إلى مرحلة تحتاج فيها إلى استباق المستقبل لا مجرد الاستجابة له.
ومن زاوية روحية، يمكن قراءة القيادة عند محمد بن زايد باعتبارها أمانة قبل أن تكون سلطة. فالمنصب يمنح صاحبه القدرة على اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه وحده الحكمة في استخدام هذه القدرة. والحكمة تأتي من التجربة، ومن معرفة الناس، ومن إدراك أن الدولة لا تُبنى في يوم، وأن الإنجاز الحقيقي هو الذي يبقى بعد رحيل أصحابه. ولهذا تبدو فكرة انتقال الأمانة من جيل إلى جيل من أكثر الأفكار عمقاً في التجربة الإماراتية؛ فالآباء بنوا الاتحاد، والجيل التالي حافظ عليه وطوره، والجيل القادم سيحمل مسؤوليته إلى زمن جديد.
وفي النهاية، لا تختصر مسيرة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في سيرة رئيس دولة أو قائد عسكري أو حاكم إمارة؛ إنها سيرة رجل نشأ مع ولادة الاتحاد، وتعلم من جيل المؤسسين أن الوطن مسؤولية، ثم حمل هذه الفكرة إلى زمن أصبحت فيه الإمارات دولة عالمية تبحث عن موقعها في مستقبل شديد التغير. وبين إرث الشيخ زايد ورؤية الأجيال القادمة، تتشكل فلسفة قيادته: قوة يحكمها العقل، وحداثة تحميها الهوية، وثروة تتحول إلى معرفة، وتنمية يكون الإنسان جوهرها، ومستقبل لا يُنتظر بل يُبنى.
وربما يكون السؤال الأعمق الذي تختصر به هذه المسيرة كلها ليس: ماذا حققنا؟ وإنما: ماذا سنترك؟ فالقائد الذي يفكر في الحاضر يصنع إنجازاً، أما القائد الذي يفكر في الأجيال فيصنع إرثاً. ومن هنا يمكن النظر إلى محمد بن زايد بوصفه واحداً من أبناء جيل الاتحاد الذين لم يكتفوا بحمل ذاكرة الماضي، بل حملوا معها مسؤولية المستقبل؛ ليبقى الوطن، في النهاية، أكثر من أرض وحدود: أمانة وهوية وناس ورسالة.




